الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
74
تفسير كتاب الله العزيز
قال الكلبيّ : بلغنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا صافّ المشركين يوم بدر ، قال ليحرض الناس على القتال : إنّ اللّه وعدني أن يفتح لي بدرا ، وأن يغنمني عسكرهم ، فمن قتل قتيلا فله كذا وكذا إن شاء اللّه من غنيمتهم ، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا إن شاء اللّه « 1 » . فلمّا تواقفوا ألقى اللّه في قلوب المشركين الرعب ، فانهزموا ، واتبعهم سرعان « 2 » من الناس ، فقتلوا سبعين رجلا ، وأسروا سبعين ، وغنموا العسكر وما فيه . وأقام وجوه الناس مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مصافّه ، فلم يشذّ عنه منهم أحد . ثمّ قام أبو اليسر بن عمرو الأنصاريّ من بني سلمة ، فكلّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ، إنّك وعدت من قتل قتيلا أو أسر أسيرا من غنيمة القوم ، الذي وعدتهم ، وإنّا قد قتلنا سبعين ، وأسرنا سبعين . ثمّ قام سعد بن معاذ فقال : يا رسول اللّه ، إنّه ما منعنا أن نطلب كما طلب هؤلاء زهادة في الأجر ، ولا جبن عن العدوّ ، ولكنّا خفنا أن نعري صفّك ، فتعطف علينا « 3 » خيل المشركين فأعرض عنهما رسول اللّه . ثمّ قال أبو اليسر مثل كلامه الأوّل . وعاد سعد فتكلّم مثل كلامه الأوّل وقال : يا رسول اللّه ، الأسرى والقتلى كثير ، والغنيمة قليلة ، وإن تعط هؤلاء الذي ذكرت لهم لم يبق لسائر أصحابك كبير شيء ، فنزلت هذه الآية : ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ . . . ) إلى آخر الآية « 4 » . ذكروا عن الكلبيّ أنّه قال : كان النبيّ وعد الأنصار المغنم ، فتكلّم فيه المهاجرون ، فأنزل اللّه هذه الآية وقال : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ) فقسمه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بين
--> ( 1 ) وسقطت هذه الجملة : « ومن أسر أسيرا . . . » من د وج . والحديث صحيح ؛ أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد ، باب النفل . وأخرجه النسائيّ ، وابن جرير الطبريّ في تفسيره ، ج 13 ص 367 ، 371 ، كلّهم يرويه عن ابن عبّاس . ( 2 ) سرعان الناس وسرعانهم : أوائلهم المستبقون إلى الأمر . ( 3 ) في ق وع : « علينا » ، وفي د وج : « عليك » ، وما أثبتّه أصحّ وأليق بأدب الصحابة في مخاطبة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 4 ) انظر للتوسّع فيما جاء في أوائل هذه السورة ، شرح كتاب السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني ، شرح السرخسي ، ج 2 ص 592 - 620 ، أبواب الأنفال ، ففيه فقه كثير ، وعلم غزير وفوائد جمّة .